نخبة من الأكاديميين
226
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الصفويين كقوة شيعية موجهة ضد الأغلبية السُّنية . هذا وتظهر في الوقت نفسه تنويعات بين روافد هذه التحليلات حول سبب الصدام المباشر : هل هو تحرُّش الصفويين أم إصرار سليم على ضربهم والتوسع جنوبًا في الدول العربية ؟ حيث إن الشاهَ بعد أن فرضَ المذهب الشيعي في بلاد فارس والعراق بالقوة اتجه إلى نشره في شرق الأناضول ؛ أي في أقاليم عثمانية مع تحريضها على الثورة على العثمانيين ، وزاد هذا النشاط في نهاية حكم بايزيد الثاني ( الذي كان يحرص على مظاهر الودّ الشكلية مع الصفويين ) ؛ حيث اندلعت ثورة شيعية خطيرة في الأناضول سنة 1511 م ، وبعد إخمادها وتولي سليم الأول السلطنة سنة 1512 م تحرك بجيشه للقضاء على الصفويين . وتوغل شرقًا في إيران حتى التقى الطرفان في " جالديران " واستولى سليم على تبريز ولكنه لم يتابع انتصاراته لإتمام إسقاط الدولة الصفوية لأسباب عديدة ، من أهمها : تمرد بعض الإنكشارية ونقص المؤن والمعدات وتدهور المناخ واتجاه نظره إلى المماليك . هذا ، ويرفض تيار آخر « 1 » من التحليلات أن يكون الصراع الشيعي - السُّني هو سبب الصراع الكبير الذي عم العالم الإسلامي في بداية القرن العاشر ه - - السادس عشر م ؛ أي يرفض تصوير الحرب العثمانية - الصفوية وما أعقبها من غزو السلطان سليم لمصر والشام على أنه سلسلة متصلة الحلقات لتطويق المذهب الشيعي « 2 » . ويدلل هذا التيار على ذلك بأن مثل هذا التصوير إنما يتجاهل وجود سياسة أو اتجاه عثماني قائم بذاته نحو الشام ومصر ، كما يتجاهل عامل التسابق بين العثمانيين ودولة البرتغال حول الوصول إلى البحار العربية . كما يدلل على ذلك أيضًا بأنه لو كان هدف العثمانيين هو إحكام الحصار على الشام للقضاء عليهم لأعطى سليم الأولوية لإتمام السيطرة على العراق وما كان اتجه لقتال المماليك السُّنية المذهب ؛ ولذا ينطلق هذا التيار من أن هذا الصراع الصفوي - العثماني إنما يندرج في نطاق التوجه الاستراتيجي العثماني العالمي الذي كان يفرض الاتجاه نحو الجنوب والشرق في هذه المرحلة لتحقيق أهداف التوسع العثمانية ، بعبارة أخرى ، يرى أن البعد العقيدي المذهبي ليس هو العامل الأساس حيث إن هناك عوامل تتصل بالصراع السياسي ، ولهذا يرى تيار ثالث « 3 » في الصراع العثماني - الصفوي صراعًا سياسيًا واستراتيجيًا واقتصاديًا ذا صبغة دينية لأنه ارتكز على الوسائل الأيديولوجية وخاصة التعبئة الدينية ، وهو صراع من أجل السيطرة على العالم الإسلامي انعكس بالتشتت والفرقة على أوضاع المسلمين منذ القرن العاشر ه - - السادس عشر م لأنه لم يتم حسمه في جولته الأولى أو جولاته المتعاقبة التي استمرت لما يزيد عن قرنين ؛ وهو الأمر الذي انعكس سلبًا على قوى الطرفين وزاد من قابليتهما للاختراق الخارجي من جانب قوى غير إسلامية . خلاصة القول : إن التحرك العثماني نحو الصفويين اندرج تحت استراتيجية عثمانية جديدة نحو الشرق الإسلامي في وقت امتلأ فيه هذا الشرق بدوافع لهذه الحركة بحيث أضحت الأخيرة لازمة لتحقيق أهداف ومصالح عثمانية متنوعة يغلّفها العداء المذهبي الشيعي - السُّني بل يوجد لها المبرر « 4 » . فإلى جانب الرغبة في منع الانتشار الشيعي كانت هناك الرغبة في قطع سبل التحالف بين الصفويين
--> ( 1 ) - أنظر على سبيل المثال : - د . محمد أنيس : مرجع سابق ، ص ص 107 - 108 . - محمد عبد المنعم الواقد : مرجع سابق ، ص ص 109 - 113 . ( 2 ) - يقوم هذا الرفض على انتقاد نظرية أرنولد توينبي " في أسباب الغزو العثماني للمجتمع العربي " . أنظر نص الترجمة العربية في : - محمد عبد المنعم الواقد : مرجع سابق ، ص ص 435 - 447 . ( الملحق الأول ) - د . أحمد الخولي : مرجع سابق ، ص 68 - 80 . ( 3 ) - من التحليلات التي تجمع بين العوامل السياسية والاقتصادية والمذهبية في تفسير الصراع واستمراره ، أنظر : - د . وجيه كوثراني : الفقيه والسلطان ، دراسة في تجربتين تاريخيتين العثمانية والصفوية القاجارية ، المركز العربي الدولي ، القاهرة 1990 ، ص ص 5 - 7 ، 52 ، 60 - 64 . - د . سيار الجميل : العثمانيون وتكوين العرب الحديث ، مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت 1989 ، ص ص 328 - 340 . ( 4 ) - حول بعض الأدلة ومنها خطاب وجهه السلطان العثماني للشاه الصفوي - عن دوافع العداء المذهبي انظر : - د . محمد عبد اللطيف هريدي : مرجع سابق ، ص ص 45 - 48 . - انظر النص الإنجليزي لهذا الخطاب في : - J . Saunders : op . cit , pp 40 - 43 .